عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
67
معارج التفكر ودقائق التدبر
استفهام فيه معنى التعجيب من أمر المكذّب المتولّي ، وهو يعلم أنّ اللّه ربّه يراه ، والرّبّ الذي يرى عبده يكذّب رسوله ويكذّب بما جاء به الرّسول عن ربّه لا بدّ أن يجازيه على تكذيبه كما جاء في بياناته . واقتصر البيان القرآني في أوائل التنزيل على التلويح بعقاب المكذب المتولّي دون تفصيل ، التزاما بحكمة التدرّج ، والأخذ بالترفّق في البدايات ، إذ لم تستقرّ بعد في أذهان المتلقّين مفاهيم الدّين ، ولا مفاهيم الجزاء بالعدل أو بالفضل ، ولا نزلت التفصيلات المتعلّقة باليوم الآخر . ولكنّ اشتدّ النصّ في توجيه التحذير والتهديد والزّجر للطاغي الباغي الذي ينهى عبدا إذا صلّى ، فقال اللّه عزّ وجلّ عقب التلويح الذي سبق : [ سورة العلق ( 96 ) : الآيات 15 إلى 18 ] كَلاَّ لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ ( 15 ) ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ خاطِئَةٍ ( 16 ) فَلْيَدْعُ نادِيَهُ ( 17 ) سَنَدْعُ الزَّبانِيَةَ ( 18 ) ( كلا : ) أداة زجر وردع موجّهة للطاغي الباغي المضلّ الّذي ينهى عباد اللّه عن الإيمان به والصلاة له ، ويحاول إيذاءهم ومنعهم عن عبادة ربّهم بالإكراه واستخدام القوّة المادّيّة أو المعنويّة . لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ : في هذه الجملة وعيد وتهديد لهذا الصنف من النّاس الطاغي الباغي المضلّ ، إن لم ينته عن تعدّيه على المؤمنين الذين يعبدون ربّهم ، لمنعهم من عبادته . ( لنسفعا : ) اللام واقعة في جواب قسم محذوف ، واللّام في ( لئن ) موطئة للقسم ، و « نسفعا » فعل مضارع مؤكّد بنون التوكيد الخفيفة . يقال لغة : سفعه على وجهه إذا لطمه براحته ، وسفعه بالعصا إذا ضربه بها . وسفعه بناصيته ورجله إذا قبض عليهما قبضا شديدا بعنف ، وجذبه منهما وأخذه .